يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

208

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

قال عامر بن عبد القيس : إذا عقلك عقلك فأنت عاقل . وفي القرآن : لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [ البقرة : 73 ] . وسمي لبا لأنه صفوة الرب وخالصه ولبابه ، ولب كل شيء : خالصه ومحضه ، وجمع اللب ألباب ، وفي القرآن العزيز : يا أُولِي الْأَلْبابِ [ البقرة : 179 ] . وسمي حجا لإصابة الحجة به والاستظهار على جميع المعاني ، يقال : حاجيته فحجيته ، وسيأتي طرف منه إن شاء اللّه عز وجل . وسمي حجرا لأن يحجر عن ركوب المناهي ، ومنه : حجر الحاكم على فلان ، ويقال للرجل إذا كان ضابطا لنفسه رابطا لجأشه مالكا لإربه : إنه لذو حجر ، وفي القرآن الكريم : هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ [ الفجر : 5 ] . وسمي النهي وهو جمع نهية لأنه إليه ينتهي الذكاء والمعرفة والنظّر ، وهو نهاية ما يمنح العبد من الخير المؤدّي إلى صلاح الدنيا والآخرة ، ولذلك قيل : نهى الوادي ونهيه ، وهو مبلغ ما ينتهي إليه السيل ، وفي القرآن العظيم من هذا : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى [ طه : 54 ] . وأما ماهيته : فقيل هو إدراك العلوم الضرورية ، وقيل : إدراك العلوم على ما هي عليه ، وقالوا : إصابة الفهم وإدراك البيان ، وقالوا : هي معرفة تكون في الإنسان تزيد باكتساب العلوم وتظهر عند إفادة المعلوم ، ولكل هذه الأقوال حجج وتفسير أمرها كبير . محل العقل : وأما محله : فقيل : الدماغ لإشرافه على البدن ، ولأنه مقر الحواس ، وقيل : محله الدماغ وصفاؤه في القلب ، وقيل : محله القلب لأنه سلطان البدن ، وهذا هو الأظهر واللّه أعلم ، لأن اللّه تعالى قال : فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها [ الحج : 46 ] فجعل السمع في الآذان والعقل في القلب ، وكما قال تعالى : أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها [ الأعراف : 195 ] . وقد جاء مثل هذا في الحديث الذي يرويه النبي صلى اللّه عليه وسلم عن ربه تبارك وتعالى : إن العبد ليتحبب إليّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت رجله التي يمشي بها ويده التي يبطش بها ولسانه الذي يتكلم به وقلبه الذي يعقل به ، إن سألني أعطيته ، وإن دعاني أجبته . فأضاف سبحانه كل جارحة إلى ما جعل فيها ، وهذا الحديث أيضا يحتاج إلى شرح ، ومعناه واللّه أعلم أن يتكلم فيما يرضي اللّه ، ويمشي في طاعة مولاه ، ويبطش فيما لا يكره اللّه ، ويعقل عن اللّه مراده . وقيل في العقل : إنه نور موضوع